القرطبي
274
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الايمان ، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين [ في الخطايا ( 1 ) والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء . وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له . قلت : قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا ، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب ، فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها ، أجارنا الله منها . فذكر من حديث أبي سعيد الخدري : " ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دحض ( 2 ) مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة ( 3 ) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب ( 4 ) فناج مسلم ومخدوش ( 5 ) مرسل ومكدوس ( 6 ) في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون ، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول عز وجل أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا
--> ( 1 ) في ه . ( 2 ) قال النووي : هو بتنوين " دحض " ودال مفتوحة والحاء ساكنة ، و " مزلة " بفتح الميم وفى الزاي لغتان الفتح والكسر ، والدحض ، والمزلة بمعنى واحد وهو الموضع الذي تزل فيه الاقدام ولا تستقر . ( 3 ) الحسكة ( بالتحريك ) : واحدة الحسك وهو نبات له ثمرة خشنة تعلق بأصواف الغنم يعمل من الحديد على مثاله ، وهو آلات العسكر يلقى حوله لتنشب في رجل من يدوسها من الخيل والناس الطارقين له . والسعدان منبته سهول الأرض وهو من أطيب مراعى الإبل ما دام رطبا . ( 4 ) الركاب : الإبل التي يسار عليها ، ولا واحد لها م لفظها . ( 5 ) مخدوش مرسل أي مجروح مطلق من القيد . ( 6 ) مكدوس أي مدفوع في جهنم . قال ابن الأثير : وتكدس الانسان إذا دفع من ورائه فسقط . ويروى بالشين المعجمة من الكدش وهو السوق الشديد ، والطرد والجرح أيضا .